
قلّما تكون الحساسية واحدة، وتبقى «خلفيةً» زمناً طويلاً: فالزكام الموسمي يصير دائماً مع الوقت، ويضاف تحسس من شيء جديد، ويتحول العلاج إلى أقراص لا تفعل غير تخفيف الأعراض. وطب الحساسية الألماني يتناول ذلك على نحو آخر. فهو يبدأ لا بوصف الدواء بل بسؤال دقيق: ما الذي يتحسس منه الجسم بالضبط، وهل يمكن التأثير في السبب نفسه لا في مظاهره وحدها.
لماذا يجدر فعل ذلك في ألمانيا
الحساسية مشكلة شائعة جداً: تشير الدراسات الألمانية إلى أنّ ما بين ربع البالغين وثلثهم لديهم تفاعل تحسسي من نوع ما. ولهذا بالذات نشأ في البلاد طب حساسية متطور ببروتوكولات واضحة للفحص والعلاج.
ومما يهم أيضاً أنّ الحساسية لا يُنظر إليها هنا بمعزل عن سواها. فهي وثيقة الصلة بالجلد والتنفس والجهاز الهضمي، وبخطر التفاعلات الشديدة أحياناً. ولذلك يعمل أخصائي الحساسية عند اللزوم مع طبيب الجلد وطبيب الرئة وطبيب الأنف والأذن والحنجرة، وتراعي خطة العلاج الصورة كلها لا عَرَضاً واحداً.
أولاً إيجاد المُحسِّس
مغزى الفحص بسيط: ما دام سبب التفاعل مجهولاً، بقي أي علاج تخميناً. وتستخدم العيادات الألمانية المجموعة المألوفة: اختبارات الجلد، وتحليل الدم للأضداد النوعية من نوع IgE، واختبارات التحدي تحت إشراف الطبيب عند اللزوم.
ويقف التشخيص الجزيئي على حدة. فهو يحدد التفاعل لا مع «غبار طلع البتولا» أو «الجوز» عموماً بل مع بروتينات بعينها فيهما. وهذا يعين على تفسير سبب التفاعل المتصالب بين مُحسِّسات مختلفة، وعلى تقدير مدى خطر الاستجابة الشديدة، وعلى معرفة هل يناسب المريض العلاج المناعي. وتكفي للتحليل عينة دم؛ فلا حاجة إلى ملامسة المُحسِّس نفسه.
كيف يُختار العلاج
الخطوة الأولى هي الأقل تقديراً في العادة: تجنّب ملامسة المُحسِّس ما أمكن، وتعلّم ما يُفعل عند حدوث تفاعل. ثم يأتي الدواء: مضادات الهيستامين الحديثة، والمستحضرات الموضعية (بخاخات، واستنشاقات، ومراهم)، وفي الحساسية الشديدة والربو العلاجُ البيولوجي الذي يتدخل بدقة في آلية الالتهاب التحسسي.
وهذه الوسائل كلها تخفف الحال، لكنها تعمل ما دامت مستعملة. ولذلك يُبحث حيثما أمكن علاج يغيّر حساسية الجسم نفسها.
العلاج المناعي: محاولة تغيير التفاعل نفسه
العلاج المناعي النوعي للمُحسِّس هو الأسلوب الوحيد الذي يعمل على السبب لا على الأعراض. إذ تُعطى جرعات متصاعدة من المُحسِّس نفسه ببطء وتدرّج، بالحقن أو بقطرات وأقراص تحت اللسان، فيعتاده الجهاز المناعي شيئاً فشيئاً ويكفّ عن الاستجابة بهذه الحدة. وهو طريق مثبت لكنه بطيء: تمتد الدورة سنوات، ولا يناسب كل صور الحساسية. والقرار للطبيب بناءً على نتائج الفحص.
وفي الربو الشديد وسائر المظاهر المزمنة تقدّم ألمانيا برامج تأهيل أيضاً، منها في مراكز متخصصة عند سفوح جبال الألب حيث يخفف الهواء النقي بذاته العبء عن التنفس.
متى تكون الحساسية خطيرة فعلاً
تستحق التفاعلات الشديدة كلمة خاصة. فحساسية الطعام، وحساسية سمّ الحشرات أو الأدوية، قد تسبب تأقاً: تفاعلاً سريعاً مع وذمة وهبوط ضغط وضيق نفس، ويستوجب مساعدة فورية. ولذلك لا يُكتفى في ألمانيا مع هؤلاء المرضى بـ«وصف أقراص»: بل يُدرَّبون على تمييز العلامات الأولى، وتُوضع لهم خطة عمل مكتوبة، ويُزوَّدون بوسيلة إسعاف ذاتي يحملونها معهم.
وللأطفال اهتمام خاص. فالحساسية تبدأ في الطفولة غالباً وتتبدل صورتها مع الوقت: فالإكزيما عند الرضيع قد تصير لاحقاً حمى قش أو ربواً. والتشخيص المبكر الدقيق يعين على عدم إغفال هذا الانتقال والتدخل في وقته، والمظاهر بعدُ خفيفة.
هذه المادة للاطلاع فقط ولا تغني عن استشارة الطبيب. أما إمكانية العلاج ومداه ونتيجته فلا تتحدد إلا بعد فحص المريض في المستشفى شخصياً.