
لا يكاد تصلب الشرايين يُعلن عن نفسه في وقته. فهو يتقدم صامتاً عقوداً، وما يقود المرء إلى الطبيب إما نتيجة عرَضية في تصوير بالموجات فوق الصوتية، وإما حدث وقع فعلاً: ألم في الصدر، أو ألم تشنّجي في الساقين عند المشي، أو سكتة دماغية. ولذلك فالحديث عن «علاج تصلب الشرايين» هو في الواقع حديث عن أمرين دائماً تقريباً: كيف يُقدَّر الخطر قبل الكارثة، وما العمل إن وُجدت اللويحات.
ما الذي يجري في الوعاء
يترسّب الكولسترول في جدار الشريان، وينشأ حوله التهاب مزمن، وتتكوّن لويحة. ثم يصير سيناريوهان ممكنين. فإما أن تضيّق اللويحة اللمعةَ تدريجاً، فيتلقى العضو دماً أقل مما يلزم عند الجهد: ومن هنا الذبحة الصدرية، أو الألم في بطّة الساق عند المشي. وإما أن يتمزّق غطاء اللويحة فتتكون خثرة في موضعها وينسدّ الوعاء فجأةً: وهذا احتشاء أو سكتة. والسيناريو الثاني أخطر وأقل قابلية للتنبؤ، ولهذا بالذات لا يستهدف العلاج توسيع ما ضاق فحسب بل جعل اللويحة أكثر استقراراً.
أولاً تقدير صادق للخطر
يبدأ الفحص الألماني عند الاشتباه بتصلب الشرايين لا بأجهزة غالية بل بأرقام: صورة دهون كاملة، وسكر وخضاب سكري، وضغط دم، ووظيفة كلى، والتدخين، والتاريخ العائلي. ويُدخَل ذلك كله في مقياس الخطر الأوروبي SCORE2 (وSCORE2-OP لمن تجاوزوا السبعين)، وهو يقدّر احتمال وقوع حدث قلبي وعائي في السنوات العشر المقبلة.
ويقف البروتين الشحمي (أ) على حدة. فمستواه محدَّد وراثياً ولا يكاد يتغير مدى العمر، ويكفي قياسه مرة واحدة. وفي دليل الدهون الأوروبي المحدَّث لعام 2025 حُدِّد 50 ملغ/دل عتبةً يُعدّ فوقها عاملَ خطر إضافياً. وإن جاء الخطر المحسوب متوسطاً ولم يكن القرار بديهياً، أعان التصوير: فالموجات فوق الصوتية للشرايين السباتية والفخذية تُظهر هل ثمة لويحات أصلاً، وتقييم الكالسيوم التاجي بالتصوير المقطعي يُظهر إلى أين بلغت العملية في شرايين القلب. ثم تأتي بحسب الدواعي اختبارات الجهد، وتصوير الشرايين التاجية المقطعي، ونادراً تصوير الشرايين التاجية التداخلي.
كيف يُعالَج
الأساس خفض الكولسترول الضار، والإقلاع عن التدخين، وضبط ضغط الدم والسكر، والحركة والتغذية. ويبدو ذلك مملاً إلى أن يتبين أنّ الأدلة كلها تقوم على هذه النقاط بالذات.
وأهداف الكولسترول الضار في الدليل الأوروبي لعام 2025 لم تتغير: فكلما ارتفع الخطر انخفض الهدف، ودون 55 ملغ/دل لفئة الخطر العالي جداً. أما الجديد فمختلف: أولاً، يُسمح بسقف أدنى لفئة قائمة بذاتها من الخطر البالغ (أحداث وعائية متكررة رغم أقصى علاج، وإصابة في عدة مناطق وعائية). وثانياً، يُوصى ببدء الجمع بين الأدوية أبكر، لا انتظار ثبوت عدم كفاية الستاتين وحده. ويشمل الطيف، إلى جانب الستاتينات والإيزيتيميب، مثبطات PCSK9 حقناً، والإنكليسيران مرتين في السنة، وحمض البمبيدويك لمن لا يتحمل الستاتينات.
وحيث يكون التضيّق حرجاً يُبحث التدخل: دعامة، أو عملية مجازة، أو جراحة أو دعامة للشريان السباتي. وثمة تفصيلة مهمة لمن يسافر إلى ألمانيا: أنّ تدخلات تضيّق الشريان السباتي أُدرجت منذ الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2025 في القائمة الألمانية للإجراءات التي للمريض فيها حق قانوني برأي ثانٍ مستقل على نفقة التأمين. وهذه إشارة مباشرة إلى أنّ قرار العملية لا يُعدّ هنا بديهياً.
ما في المختبرات، وما لا يعنيه ذلك بعد
يدرس باحثون في معهد الوقاية من أمراض القلب والأوعية بجامعة LMU في ميونخ منذ سنوات طويلة الجانبَ الالتهابي من تصلب الشرايين، وبخاصة المستقبل CXCR4 الذي يؤثر في متانة جدار الوعاء، والآليات التي تتخلص بها الخلايا المناعية من فائض الكولسترول. والعمل مثير للاهتمام ومستمر: ففي عام 2023 أظهرت المجموعة في الفئران أنّ التأثير في تنظيم CXCR4 يقلل تضرر الأوعية.
لكن لم يخرج من ذلك دواء بعد: فهذه نماذج قبل سريرية، والطريق إلى الاستخدام في البشر طويل. وأقرب إلى الممارسة خط آخر: أدوية تخفض البروتين الشحمي (أ)؛ وأول تجربة كبيرة لأثرها في الاحتشاءات والسكتات على وشك الانتهاء، والنتائج منتظرة قريباً. وما لم تُنشر، يبقى خفض هذا البروتين نهجاً تجريبياً، ويبقى العمل بما ثبت.
هذه المادة للاطلاع فقط ولا تغني عن استشارة الطبيب. أما الأهداف العلاجية وبروتوكول العلاج والحاجة إلى تدخل فلا تتحدد إلا بعد الفحص الحضوري.