
حين ينطق الطبيب لأول مرة بكلمة «إشعاع»، يتخيّل أكثر الناس شيئاً فظاً خطراً. والحق أنّ المعالجة الإشعاعية الحديثة من أكثر ميادين الطب حساباً: فجزء كبير من العمل لا يجري في غرفة العلاج بل في الحاسوب، حيث يقضي الفيزيائيون أسبوعاً في حساب كيفية إيصال الجرعة إلى الورم من دون مسّ الأعضاء المجاورة. وفيما يلي كيف يُنظَّم ذلك في ميونخ، ولماذا يُعالَج بالإشعاع ما هو أوسع من السرطان.
ما الذي تفعله المعالجة الإشعاعية أصلاً
يُتلف الإشعاع الحمض النووي في الخلايا. وخلايا الورم تنقسم بنشاط أكبر وتُصلح هذا التلف أسوأ من الخلايا السليمة، وعلى هذا الفارق قام الأمر كله. ومن هنا أيضاً تجزئة الدورة العلاجية: إذ تُعطى الجرعة على دفعات صغيرة ليتاح للنسيج السليم بين الجلسات وقتٌ للتعافي.
وتُستعمل المعالجة الإشعاعية على أوجه شتى. فهي أحياناً العلاج الأساسي — كما في بعض أورام الرأس والعنق أو البروستاتا حيث ينافس الإشعاعُ الجراحة. وتأتي أحياناً قبل العملية لتصغير الورم، أو بعدها لخفض خطر عودة المرض. ومن مهامها المستقلة والعملية جداً تسكينُ الألم في نقائل العظام: فالدورة هنا قصيرة غالباً والأثر ملحوظ في غضون أسابيع.
كيف تُعدّ الخطة
يُجرى قبل الجلسة الأولى تصوير مقطعي للتخطيط، مع رنين مغناطيسي أو تصوير بالإصدار البوزيتروني أحياناً. ويرسم الطبيب على الصور بيده حدودَ الورم وحدودَ كل عضو ينبغي حمايته. ثم يحسب الفيزيائي الطبي من أي الاتجاهات وبأي شدة تُوجَّه الحزم. وهذا بالضبط ما وراء الاختصارات التي ستراها في الأوراق: IMRT أي المعالجة بشدة معدَّلة، حيث يتغير شكل الحزمة وقوتها أثناء الجلسة نفسها؛ وIGRT أي التوجيه بالصورة، حيث يُتحقق من موضع الهدف بصورة قبل كل جلسة، لأنّ الأعضاء تزيح مع التنفس ومع امتلاء الأمعاء.
ويجري ذلك بعمل فريق، وليست هذه عبارة مجازية. فالخطة يحسبها الفيزيائي الطبي، والجلسة يتولاها فني التصوير والمعالجة الإشعاعية (MTRA)، وكل خطوة يُقرّها طبيب المعالجة الإشعاعية، والدواعي والمواعيد يتفق عليها مجلس الأورام مع الجراحين وأطباء الأورام. والمعتاد في ميونخ ترتيبٌ تعمل فيه عيادةُ معالجة إشعاعية خارجية في المبنى نفسه مع مستشفى شريك: فيتلقى المريض الإشعاع في العيادات الخارجية ويُدخَل عند الحاجة. وعلى هذا النحو بالضبط نُظّمت عيادة المعالجة الإشعاعية في بازينغ لدى مستشفى هيليوس ميونخ الغربي.
الإشعاع في الأمراض الحميدة
هذا المجال يكاد يكون مجهولاً في روسيا، وهو في ألمانيا ممارسة معتادة لها دليلها الخاص: فالجمعية الألمانية للمعالجة الإشعاعية (DEGRO) تصدر توصية مستقلة في إشعاع الأمراض الحميدة، وآخر نسخة منها لعام 2022. والحديث عن جرعات أدنى عشرات المرات من الجرعات المضادة للأورام.
وأكثر ما دُرس مسمار العقب وما يرافقه من التهاب اللفافة الأخمصية: فللطريقة هنا أعلى مستوى من الأدلة على المقياس الألماني. وتُستعمل كذلك في الفصال العظمي المؤلم في المفاصل الكبيرة، والتهاب أوتار الكتف والمرفق، وداء ليدرهوزه، وللوقاية من نمو النسيج العظمي بعد استبدال المفصل، وفي الندبات الجُدرية. والمنطق هو نفسه المتّبع في الأورام: أثر الجرعات الصغيرة المضاد للالتهاب والمسكّن. وثمة تحفّظ مهم: فهذا العلاج كثيراً ما يزيل الألم زمناً طويلاً، لكنه لا يُلغي تآكل المفصل نفسه.
عمّ تسأل قبل البدء
الأسئلة المعقولة بسيطة. ما هدف الدورة: الشفاء أم استكمال العملية أم إزالة عرَض. وكم عدد الجلسات ولمَ هذا العدد بالذات: فقد صارت بروتوكولات كثيرة في السنوات الأخيرة أقصر للغرض نفسه. وأي الأعضاء يقع في منطقة الإشعاع وأي الآثار الجانبية يُنتظر، المبكرة منها (التعب وتهيّج الجلد والأغشية المخاطية) والمتأخرة. وما مصير الأسنان إن كانت منطقة الرأس والعنق هي المُشعَّعة: فمعالجة الفم تُخطَّط قبل بدء الدورة لا بعدها. ومَن يتابعك بين الجلسات.
هذه المادة للاطلاع فقط ولا تغني عن استشارة الطبيب. أما دواعي المعالجة الإشعاعية وبروتوكولها ونتيجتها فلا تتحدد إلا بعد فحص المريض في المستشفى شخصياً.