
أراد أطباء القلب الألمان أن يعرفوا ما الذي يحدث فعلاً لنظم القلب عند الأصحاء أثناء الإفراط في شرب الكحول وبعده. فبعد سهرة طويلة يخفق القلب ويتعثّر ويتعذّر النوم، ثم يزول ذلك في المساء التالي فيُنسى. وقد اختار الباحثون لدراسة ذلك ما لعله أنسب مكان في البلاد.
ما وُجد في مهرجان أكتوبر
حمل باحثون من جامعة لودفيغ ماكسيميليان بميونخ ومن المركز الألماني لبحوث القلب والأوعية (DZHK) أجهزتهم إلى مهرجان أكتوبر عام 2015 مباشرة. ووافق أكثر من ثلاثة آلاف متطوع على تخطيط قلب بجهاز محمول يعمل بهاتف ذكي، وعلى فحص للكحول في النفَس في الوقت نفسه. وقد نُشر العمل في European Heart Journal عام 2017 ويُعرف باسم MunichBREW.
وُجدت اضطرابات نظم عند نحو ثلث المشاركين، وهي نسبة أعلى بوضوح مما يُوجد عادةً عند الناس في أجواء هادئة. وكان الغالب الأعم من هذه الاضطرابات تسرّعاً جيبياً: النظم منتظم لكنه أسرع بكثير. وكلما ارتفع تركيز الكحول في النفَس، تكررت الاضطرابات أكثر. ونظر المؤلفون كذلك في بيانات دراسة KORA السكانية الكبيرة في منطقة أوغسبورغ: فتبيّن أنّ ثمة ارتباطاً بالكمية اليومية المعتادة أيضاً، لكنه أضعف بوضوح من الارتباط بالإفراط في مرة واحدة.
ما أضافته السنوات التالية
بقي السؤال الأساسي مفتوحاً حينها. فتخطيط القلب أُخذ مرة واحدة، وما جرى للمشارك بعد ذلك اعترف المؤلفون بصدق أنهم لا يعرفونه. فهل يزول ذلك مع أعراض ما بعد الشرب أم يُطلق ما هو أخطر؟ لم يكن ذلك ممكن القول.
أما التتمة — MunichBREW II المنشورة في المجلة نفسها عام 2024 — فرُتِّبت على نحو آخر. إذ حمل نحو مئتي متطوع مرقاب تخطيط قلب يومين متتاليين: قبل الشرب وأثناءه وبعده. وتبيّن أنّ أبرز نوبات اضطراب النظم، ومنها موجات قصيرة من الرجفان الأذيني، لم تقع في ذروة السُّكر بل في طور التعافي، حين يفيق المرء وينام.
وتراكمت إلى جانب ذلك بيانات من نوع آخر. فقد أظهرت تجربة عشوائية أسترالية نُشرت في New England Journal of Medicine عام 2020 أنّ الامتناع عن الكحول يقلل نوبات اضطراب النظم عند من لديهم رجفان أذيني أصلاً. وبيّنت دراسة HOLIDAY الأمريكية أنّ الكحول يغيّر مباشرةً الخصائص الكهربائية لنسيج الأذينين، وأنّ الأثر يدوم ساعات بعد الشرب.
وبحلول عام 2024 لم يعد الأمر موضوع أبحاث متفرقة بل دخل الإرشادات. ففي دليل الجمعية الأوروبية لأمراض القلب بشأن الرجفان الأذيني، يقف تقييد الكحول — إلى نحو ثلاث وحدات معيارية في الأسبوع — إلى جانب ضبط ضغط الدم والوزن وانقطاع النفس النومي، أي ضمن التدابير التي تُبحث مع كل مريض.
ما الذي يترتب على ذلك للفرد
إن كان قلبك سليماً وزال الخفقان بعد المناسبة في غضون ساعات، فهذه على الأرجح تلك النوبة العابرة التي وصفها باحثو ميونخ. أما إن كان تشخيص «الرجفان الأذيني» قد وُضع، فالكحول من العوامل المحفِّزة القليلة التي يمكنك التأثير فيها بنفسك، بلا دواء ولا إجراء.
وانتبه بوجه خاص إن استمر الاضطراب أكثر من يوم، أو رافقه ضيق نفس أو ألم في الصدر أو دوار أو إغماء، أو تكرر بعد كل مناسبة شرب. فهذا داعٍ لتخطيط القلب، ولمراقبة على مدار اليوم أحياناً؛ إذ كثيراً ما يفوت التخطيط المفرد نوبات الرجفان الأذيني القصيرة.
ما لا تعنيه هذه البيانات بعد
لم تثبت أيٌّ من هذه الدراسات أنّ كأس نبيذ واحدة «تسبب» رجفاناً أذينياً عند شخص سليم. فالمقصود ارتباط إحصائي وجرعات بعيدة عن كأس واحدة: إذ بلغ بعض المشاركين في مهرجان أكتوبر تراكيز عالية جداً من الكحول في الدم. ولم يثبت العكس أيضاً، أي أنّ الشرب المعتدل لا يعني نظم القلب بشيء؛ فلم تُحدَّد بعد عتبة يُقطع بانتفاء الأثر دونها. وأخيراً، تسارع القلب بعد الكحول ليس بذاته مرض قلب؛ فهو داعٍ للفحص لا داعٍ للتشخيص.
هذه المادة للاطلاع فقط ولا تغني عن استشارة الطبيب. أما إمكانية الفحص والعلاج ومداهما ونتيجتهما فلا تتحدد إلا بعد الفحص الحضوري.